خمس دقائق تقريبا تفصلني عن موعد أذان المغرب في شهر رمضان الكريم، وخط السير في مدينة المكلا كالعادة مزدحم بالسيارات والكل يسابق الزمن، غير أن إشارة المرور لا تقدر أحيانا الظروف، وتنطفئ الخضراء لتستفيق الحمراء طالبة منا التوقف, أوقفت السيارة على مشارف التقاطع، وعلى أحر من الجمر ظللت ارقب موعد الانطلاقة من جديد.
غير أن يدا سمراء تدلف إلى أمام وجهي وصاحبها يترجاني أن أعطيه حق الفطور لم أحر جوابا فالأمر لا يكلف أكثر من كلمتين خفيفتين على اللسان تكفيان لكل متسول "الله كريم" وتستعيض عنهما أحيانا بإشارة بالسبابة نحو السماء لتبلغ الرسالة للطرف الآخر بكل فصاحة وإيجاز.
ابتعد عني المتسول شاقا طريقه نحو هدف منشود آخر بينما ظللت أنا أحملق في إشارة المرور تارة وفي ساعتي تارة أخرى من منهما سيسبق الآخر يا ترى ؟.
وحسب خبرة سائقي السيارات الذين يتنبئون بالفرج قبل حصوله ويدركون بالفطنة والدربة موعد انبلاج نور الإشارة الخضراء كنت قد وضعت قدمي على دواسة البنزين معلنا الانطلاق إذ بيد أخرى تمتد إلى داخل غمارت سيارتي لكن الفرق هذه المرة أن هذه اليد لا تريد مني حق الفطور بل هي ترجوني أن اخذ الفطور منها, وبدون كثير تفكير وفي طرفة عين وانتباهها إذ بيدي تمتد لتأخذ ما قدم لها وبكل فرح وغبطة وسرور.
تقبلت هذا الخطوة الكريمة شاكرا لصانعها غادرت حالا ومع ضيق الوقت وحراجته لم أتمكن من تناول شيئا من الفطور الذي دفع لي على الجولة كون البيت قريبا جدا ويمكنني أن أتناول الفطور فيه مع الأهل, وأي فطر يعدل فطورك وسط أفراد أسرتك ؟!.
وصلت إلى البيت وأنا أسابق مؤذن المسجد قبل الخلاص من أذانه، جلست على مائدة الإفطار وعلى عجل وبفضول سألني أولادي عن سر التمرات وكيس الماء الصحة التي أحضرتهما معي على غير عادتي, قصصت لهما قصة الجولة ولم أنسى أن اخبرهم بان على تلك الجولة قد امتدت إلي يدان، يد تطلب، ويد تعطي، فرددت الأولى وقبلت بالأخرى فقال لي اصغر الذكور من أولادي وأكثرهم مشاغبة: "يصلح أعطيت المسكين الفطور اللي أعطوك إياه أصحاب الجمعية في الجولة", فقلت في نفسي يالها من نفس أمارة بالسؤ، تحب أن تأخذ ولو لم تكن محتاجة، وتكره أن تعطي ولو كانت قادرة, يالتينا نجد لذة العطاء كما نجد لذة الأخذ.