14 شهر ربيع الأول 1433هـ الموافق 6 فبراير (شباط) 2012م
الصفحة الرئيسية » المقالات
الشباب والتسول
نشر بتاريخ 1 / 9 / 2010 | 10 : 43 PM
التسول ظاهرة اجتماعية توجد في العديد من
بلدان العالم ولاسيما الفقيرة منها ، حيث ترغم الحاجة الكثير من الناس إلى مد
أيديهم لطلب المساعدة .. وفي اليمن تنتشر هذه الظاهرة بشكل كبير بين مختلف الفئات
العمرية ، ويتفنن الكثير من المتسولين في اختلاق الأسباب لكسب عطف المحسنين ، فنجد
البعض منهم يتصنع حالة مرضية معينة كالإعاقة وغيرها ، والبعض الآخر يصطحب معه
أطفالاً ويدعي أنهم يعانون من أمراض .
وكم هي الحالات التي نقابلها يومياً ونشاهدها
في بيوت الله وخارجها ، وقد زادت هذه الظاهرة انتشاراً وتوسعاً في السنوات الأخيرة
لتعقّد الأوضاع الاقتصادية وزيادة مساحة الفقر والبطالة في البلاد لعدم وجود
مشاريع اقتصادية تنقذ البلاد والعباد من هذه الحالة بسبب الفساد وتحكم فئة قليلة
من الناس في خيرات البلاد وثرواتها ، وفي ظل الأزمة الرأسمالية العالمية
وانعكاساتها على أوضاع البلاد الاقتصادية ستزيد هذه الظاهرة اتساعاً وانتشاراً ،
وكم هي القصص التي تُقال في هذا الموضوع ، فمرة قال لي صديق أنه في إحدى القرى في
أحد الأيام شوهد متسول في مسجد القرية وهو في حالة إعاقة كاملة ، رثي لحاله شيخ
مسن من أهل القرية ، فأمر ابنه أن يحمله ويأتي به إلى البيت ، وهناك أكرم بالأكل
وبما قدره الله ، وفي اليوم الثاني صدفة يدخل الابن إلى مدينة سيئون ويرى هذا
المتسول يسير على رجليه معافى سليماً ، ولما رأى هذا المتسول الابن فر هارباً من
أمامه والابن يجري وراءه .. وفي أحد مساجد مدينة سيئون شاهدت بأم عيني شاباً
يترواح عمره ما بين (30 - 35) عاماً قام بعد الصلاة يشرح مشكلته حيث قال أنه كان
عاملاً في إحدى محطات البترول في مناطق الحدود وأثناء عمله أعطيت له عملة سعودية
مزورة وألقي القبض عليه وأودع السجن وطرد من عمله وهو خارج لتوه من السجن ويحتاج
إلى المال للسفر إلى أهله في إحدى المحافظات ، وقد شاهدت هذا الشاب في أكثر من
مسجد وفي كل مرة يأتي بأسباب تختلف عن بعضها وهكذا ..
وللأسف الشديد هذه الظاهرة انتشرت بين صفوف
عدد من الشباب في مدينة سيئون وإن كانت بشكل محدود ، ولكن ليس من خلال افتراش
المساجد وطلب المساعدة بعد الصلوات ، بل من خلال استغلال مرض أحد أفراد الأسرة
فيقوم هذا الشاب دون علم أسرته بأخذ فاتورة الكهرباء أو المياه ويسير بها على بعض
المواطنين المقتدرين ويطلب مساعدتهم في تسديدها بحجة أن والده مريض عاجز عن العمل
والأسرة في حاجة ماسة إلى المال .. وفي بعض المحافظات لا يتورع بعض المتسولين من
استخدام وسائل إجرامية وغير إنسانية للتسول ، فقد قرأت في صحيفة الصحوة العدد
(1177) الصادرة يوم الخميس 4 / جمادى الثانية/1430هـ 28 /مايو/2009م أن أباً يكسر
رجلي طفلته ذات (9) شهور أربع مرات للحصول على تقارير طبية تمكنه من التسول بها
بحجة علاج ابنته .
إن المرء يشاهد يومياً حالات من هذه
الظاهرة وأسوأها تسول الفتيات في الأسواق بالعشرات بشكل يخدش الشرف والأدب ولاسيما
بين فئة ما يطلق عليهم (الأحرار السود) أو (الحرافيش) حسب المفهوم الشعبي ، ويقال
تاريخياً أن هذه الفئة هي ما يقارب الغزو الحبشي لليمن قبل الإسلام ، ويتركز
وجودهم بشكل كبير في تهامة ، ويمارس نساء هذه الفئة التسول بينما رجالها لا
يمارسون أي عمل إلا نادراً ويعيشون على ما تأتي به نساؤهم من التسول .. وتشبه هذه
الفئة إلى حد كبير في أسلوب حياتها فئة الغجر التي تنتشر بشكل كبير في دول أوروبا
الشرقية وفي بلاد الشام ، وتعود جذورها إلى أواسط آسيا ، ويقال أنها من بقايا
الغزو المغولي على العالم الإسلامي ..
وبشكل عام إن ظاهرة التسول مصيبة ومخلة
بالآداب العامة ، والغريب جداً أن البعض يتخذ منها حرفة سهلة للحصول على المال حيث
يملك كثير من هؤلاء المتسولين العقارات والأرصدة في البنوك .
إن القضاء على هذه الظاهرة أو المعضلة
الاجتماعية المعقدة يجب أن يأتي في إطار شامل سياسي واقتصادي ومالي وإداري يقضي
على الأسباب التي أدت إلى نشوئها وانتشارها ، وهذا لن يكون ممكناً في إطار النظام
الحالي في البلاد لأنه هو المسبب الرئيسي في نشوئها وقيامها بسبب سياساتها
الاقتصادية الفاشلة والفساد المسيطر على أجهزة الدولة وتحكم فئة قليلة من الناس في
السلطة والثروة .
إن هذا الإصلاح المنشود إلى جانب حل
المشكلات السياسية القائمة كحل القضية الجنوبية حلاً عادلاً و القضاء على أسباب
النزاعات والحروب التي تستنزف إمكانيات الدولة ومواردها سيخلق استقراراً أمنياً
وسياسياً وبالتالي قيام تنمية اقتصادية واجتماعية تساعد على إيجاد عوامل مشجعة
للاستثمار وستخلق فرصاً كثيرة للعمل وستحد من الفقر وبالتالي ستؤدي إلى اختفاء
ظاهرة التسول شيئاً فشيئاً ولاسيما تلك التي نشأت بسبب الحاجة ، أما تلك التي
يتخذها المتسولون حرفة سهلة للحصول على المال فلابد من إصدار قوانين تجرم التعامل
معها وتحرم استخدام الأطفال لهذه الأغراض وإصدار عقوبات قوية وصارمة لكل من يتعامل
مع هذه الظاهرة أو يستخدمها وسيلة للكسب غير المشروع .